ابن كثير
85
البداية والنهاية
عليهم حتى يفهموا احتسابا تجاه المقصورة . ودفن بمقابر باب الصغير شمالي قبور الشهداء وعلى قبره شعر ذكره أبو شامة والله سبحانه أعلم . ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وستمائة قال أبو شامة : فيها أحضرت الأوتاد الخشب الأربعة لأجل قبة النسر ، طول كل واحد اثنان وثلاثون ذراعا بالنجار . وفيها شرع في تجديد خندق باب السر المقابل لدار الطعم العتيقة إلى جانب بانياس . قلت : هي التي يقال لها اليوم اصطبل السلطان ، وقد نقل السلطان بنفسه التراب ومماليكه تحمل بين يديه على قربوس السروج القفاف من التراب فيفرغونها في الميدان الأخضر ، وكذلك أخوه الصالح ومماليكه يعمل هذا يوما وهذا يوما . وفيها وقعت فتنة بين أهل الشاغور وأهل العقيبة فاقتتلوا بالرحبة والصيارف ، فركب الجيش إليهم ملبسين وجاء المعظم بنفسه فمسك رؤوسهم وحبسهم . وفيها رتب بالمصلى خطيب مستقل ، وأول من باشره الصدر معيد الفلكية ، ثم خطب به بعد بهاء الدين بن أبي اليسر ، ثم بنو حسان وإلى الآن . وفيها توفي من الأعيان : الملك الظاهر أبو منصور غازي بن صلاح الدين يوسف بن أيوب ، وكان من خيار الملوك وأسدهم سيرة ، ولكن كان فيه عسف ويعاقب على الذنب اليسير كثيرا ، وكان يكرم العلماء والشعراء والفقراء ، أقام في الملك ثلاثين سنة ( 1 ) وحضر كثيرا من الغزوات مع أبيه ، وكان ذكيا له رأي جيد وعبارة سديدة وفطنة حسنة ، بلغ أربعا وأربعين سنة ، وجعل الملك من بعده لولده العزيز غياث الدين محمد ، وكان حينئذ ابن ثلاث سنين ، وكان له أولاد كبار ولكن ابنه هذا الصغير الذي عهد إليه كان من بنت عمه العادل وأخواله الأشرف والمعظم والكامل ، وجده وأخواله لا ينازعونه ، ولو عهد لغيره من أولاده لأخذوا الملك منه ، وهكذا وقع سواء ، بايع له جده العادل وأخواله ، وهم المعظم بنقض ذلك وبأخذ الملك منه فلم يتفق له ذلك ، وقام بتدبير ملكه الطواشي شهاب الدين طغرلبك الرومي الأبيض ، وكان دينا عاقلا . وفيها توفي من الأعيان : زيد بن الحسن ابن زيد بن الحسن ( 2 ) بن سعيد بن عصمة الشيخ الامام وحيد عصره تاج الدين أبو اليمن
--> ( 1 ) في تاريخ أبي الفداء 3 / 117 : إحدى وثلاثين . ( 2 ) في الوافي زاد : ابن الحسن ، كرر الحسن ثلاث مرات .